أحمد بن علي القلقشندي

412

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالنوافل أحبّه ، * ( وعِنْدَه مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ويَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ ) * ( 1 ) ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الَّذي أضاءت الأكوان من نور هديه فاهتدت به أصحاب المعارف المسلَّمون لموجدهم الأمر والإرادة ، ومن هو روح الوجود الَّذي أحيا كلّ موجود وسلَّك طريق سنّته الموصّلة إلى عالم الغيب والشّهادة ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين صفت قلوبهم من الأكدار وإلى التّقوى سبقوا ، وصدقوا في المحبّة فاستحقوا ثناء مولاهم : * ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ) * ( 2 ) ؛ فمنهم من شمّت من فيه رائحة كبد مشويّة من خشية اللَّه ، ومنهم من حدّث بما شاهده ببصره وبصيرته على البعد ورآه ، ومنهم من أحيا ليله واستحيت منه ملائكة السماء ، ومنهم من اتّخذه أخا إذ هو باب مدينة العلم وركن العلماء ، صلاة دائمة تطيّب أوقات المحبّين ، وتطرب بسماعها قلوب المتّقين أهل اليقين ؛ وسلَّم تسليما . أمّا بعد ، فإنّ أولى من قدّمناه إلى أهل الصلاح ، ورفعناه إلى محلّ القرب وروح الأرواح ، وحكَّمناه على أهل الخير ، ومكَّنّاه في حزب اللَّه الَّذي غلب لمّا اجتهدوا على إخراج حزب الشّيطان من قلوبهم وزحفوا على قراره بجيش التّقوى وسمتهم الزّهد وحسن السّير ، وولَّيناه أجلّ المناصب الَّذي تجتمع فيه قلوب الأولياء على الطَّاعة ، وأحللناه أرفع المراتب الَّذي خطبه منهم خيار الجمع لجلوة عروس الجمال في الخلوة بعقد ميثاق سنّة المحبّة وشهادة قلوب الجماعة - من جمّله صورة ومعنى ، وافتخر به أحاد ومثنى ، وباشره على أحسن الوجوه ، وبلَّغ كلَّا من مريديه وطلبته من فضائله وفضله ما يؤمّله ويرجوه ، ومدّ موائد علومه المحتوية على أنواع الفضائل المغذّية للقلوب ، وجلس في حلل الرّضا فكسا القوم الذين لا يشقى بهم الجليس ملابس التّقوى المطهرة من العيوب ،

--> ( 1 ) الأنعام / 59 . ( 2 ) الأحزاب / 23 .